المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في انتظار الفرح (بقلم عماد سباغ)


جوليانا
05-16-2005, 12:30 AM
في انتظار الفرح
يتمدد حزنه كظل صفصافة وقت المغيب وتتفتت أحلامه الصغيرة يوما بعد يوم كعنقود سقط من ناطحة سحاب , اكتشف اخيرا أنه يعيش ليمزق رزنامة الأيام الهاربة كسرب حمام أجفله الرعد , توقظه عند الفجر ساعة المنبه لتذكره بأبواق الملائكة يوم القيامة , يرتشف القهوة مرة تعودها مع ادمانه التدخين , يزدرد لقيمات قليلة يبتلعها بشق الأنفاس كي لايصل جرح القرحة الملعونة الى جدران القلب المنهك كما أوصاه الطبيب , يدير ظهره لشبح الوحدة القابع في البيت ليستقل باصا يعج بالبخلاء والفقراء أمثاله متجها الى مكان العمل.
*
أخيرا يصل مكتبه العتيد ويسقط جسده المنهك من زحمة الطريق على الكرسي ومثل الجميع من رفاقه الموظفين يبدأ بالنظر المتكرر إلى ساعة الجدار وكأنه محكوم بالأشغال الشاقة حتى الستين من العمر , الجميع تعودوا الحكم المبرم ولم يعتد , جميعهم ينتظرون مراجعا ليبدؤوا بمعاجزته حتى نهاية الدوام ليشفوا غليلهم من راتب أضيق من الجيب وأحلام تتسرب من بين أصابعهم كالماء حتى أنهم يتمنون أن يطلبهم المدير ويصب جام غضبه وعقد نقصه عليهم فقط ليقتلوا تيار الزمن بمجداف التفاهات .
*
يتلذذ بمشاهدة أفشيات الأفلام في طريق عودته تنتشر على جانبي الطريق كطاعون الدجاج جميعها صور رجال خنقتهم أسلحتهم وعضلاتهم ونساء عامرات الصدور يلهبن الحواس ليسقط العقل كصاعقة الى الأسفل !, مطاعم فاخرة مكتظة بالرواد يفصلهم عن الشارع زجاج مغبر وفارق طبقي فينظمهم من عالم آخر ويتذكر شعاراته القديمة ويصرخ : أنا من ذهب الى مزبلة التاريخ وليس هؤلاء !.

*
وصل المنزل حاملا جريدته اليومية وقبل أن يطالعها ابتلع لقيماته المعتادة التي يسميها وجبة الغداء من أجل جدران القلب المنهك فقط, بدت له الجريدة صورة طبق الأصل عن عدد الأمس الأخبار هي الأخبار حتى الأبراج بدت متشابهة تغيرت أمكنتها فقط لكن الجريدة هي الأرخص فالكتب أضحت زينة في مكتبات المترفين فقد أدرك من زمن بعيد أنه حتى للثقافة أصبح هناك فتات يقتات عليه الفقراء 0
*
تذكر أهله الذين ينتظرون الفارق بين حساباته وراتبه العتيد وأقنع نفسه بوجود هذا الفارق الذي سيرسله لهم ليعينهم على غربتهم الجاثمة على صدورهم في عقر وطنهم !, تذكر موعده المسائي مع فتاة أحلامه ولم يستطع التهرب من السؤال الذي يراوده بإلحاح المتسولين: كيف سيخبرها بعد هذا العمر والحب العاصف بإنه لايملك شيئا للمستقبل ولا حتى للحاضر ,ظن نفسه يعاني من الإكتئاب المزمن فقرر الذهاب الى الطبيب النفسي وعدل عن الفكرة الخرقاء عندما تذكر أن جميع مشكلاته وسبب يأسه ليس سوى قلة المال فما الذي سيفعله له ذلك الطبيب الميسور .
*
على غير المعتاد سمع صوت جرس الباب فظن نفسه يحلم , فتحه بتوجس اللصوص ليجد صديقه القادم من القرية الذي اضطره العمل ليبيت الليلة عنده ويسافر صباحا الى الجنة المفقودة , تنفس الصعداء فقد أتى من يسمعه ويحكي له عن مشكلاته لينام مرتاحا ولو لليلة واحدة فقد نخرت عظامه فئران الوحدة وأوهام النساك ولم يدرك فداحة الخطأ الذي إرتكبه بسؤاله لصديقه عن الأخبار وكأنه فتح ثقبا في قعر المحيط ! فانهال عليه صديقه بالأحاديث عن الأهل والقرية وعن خطيبته ومشكلاتها وضيق ذات اليد حتى أرهق أذنيه بسيرته الهلالية التي لاتنتهي .
*
أحس بهدوء مطبق يجتاح المكان فأدرك أن صديقه انتهى من ثرثرته وأن دوره حان للكلام , نظر نحوه فرآه قد غط في نوم عميق وابتسامة الرضا مرسومة على محياه الجميل لإنه أزاح جبل الهموم عن صدره المثقل بالأحزان أيضا .
ارتسمت ابتسامة صفراء على وجهه وهو ينظر الى صديقه, فخرج الى الشرفة وأشعل سيجارته الملعونة , رنا بنظره نحو السماء فرأى أصدقاءه في أمكنتهم الأبدية لم يتحركوا وكلما نظر الى النجوم يتفائل بالغد وأنه سيكون أفضل من اليوم وهمس كمن يخاطب محبوبته في أذنها : سيأتي الفرح في الغد , أرجو أن يجد له مكانا في نفسي !.
***

bahhar
05-19-2005, 01:45 AM
شكرا الك اخت جوليانا .... رائعة كانت في انتظار الفرح ..... وسيأتي الفرح في الغد ارجو ان يجد له مكانا في نفسي ونفس كل الناس

غير مسجل
08-07-2006, 12:15 PM
قصة تعبر عن نبض الناس

ANGEL_BOY
08-21-2006, 01:10 PM
سلمت يداكي على ما كتبت واتمنى لك التوفيق