المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فانكا .. انطون تشيكوف


Hanan
08-24-2005, 06:38 AM
ترجمة : علي العياطي


منقول عن مجلة alarabonline العرب أون لاين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ



فانكا زوكوف الذى يبلغ من العمر التسع سنوات، والذى كان قد عهد به منذ ثلاثة أشهر الى الإسكافى السيد الياكين ليتعلم منه حرفة صناعة الأحذية، لم ينم عشية عيد الميلاد، بل ظل منتظرا الى أن ذهب معلمه وسيدة البيت والمتدربون الأوائل جميعهم الى الكنيسة، تناول بعدها على الفور من الخزانة الصغيرة قنينة حبر وقلما عتيق الطراز يعلوه الصدأ، وبسط أمامه ورقة أعدها لتكون صالحة للكتابة، وكان جاهزا تماما للبدء فى الكتابة... قلق الخاطر، مسح بناظريه الباب والنافذة عدة مرات قبل أن يخط الرسالة الأولي، وأمعن النظر بالتمثال القاتم اللون وما يحوى من أرفف تضم وعلى الجانبين عدة قوالب من أحذية أكمل الإسكافى صنعها تبدو فى مرحلتها النهائية من حيث التصميم، وكل ما بداخله يهتز ويرتجف تحسرا واشتياقا... الورقة أمامه على المقعد، أحنى فانكا بجذعه على صفحة المقعد وخط بيده على الورقة:
جدى العزيز كونستانتين ماكارش، إننى أكتب لك رسالة وأبعث تحياتى لك بمناسبة عيد الميلاد، وآمل أن يحيطك الله ببركاته.. لم يعد لدى أب ولا أم ولم يبق لى سواك...

رفع فانكا رأسه واستقرت نظراته على لوح زجاج النافذة القاتم اللون الذى يومض بضوء الشمعة المنع!@#$%!@#$% عليه، وبملكة خياله تراءى له جده كونستانتين ماكارش شاخصا أمامه بكل وضوح، جده الذى كان يعمل حارسا ليليا يقوم على حراسة ممتلكات أحد النبلاء يدعى السيد زيفاريف.. كان عجوزا نحيلا، ضامر الجسم، يبلغ من العمر ما يناهز الخامسة والستين، إلا أنه كان رشيقا خفيف الحركة ومفعما بالحياة على نحو لافت النظر.. ذا وجه ضحوك، مشرق المحيا، غائم العينين حد الإجهاد لإفراطه معاقرة الخمر.. كان ينام وقت النهار بالمطبخ الخلفى من المنزل أو يجلس مازحا يتبادل الأحاديث المسلية مع الطباخ وخدم المطبخ... وبالليل يرتدى معطفا هائلا من جلد الغنم ملتفا به حول جسده النحيل، ويظل يلف ويدور حول الع!@#$%!@#$%ة يتبعه وقع خطاه وتلاحقه حشرجة أنفاسه، فيما يعدو خلفه مطرق الرأس الكلب العجوز كاشتانكا وكلب آخر يسمى ايل، وعلى الرغم من جذعه الطويل الدال على المكر وتعمد الأذي، فإن الكلب ايل كان هادئ الطبع على نحو فائق ولو أنه يخامره الشك وعدم الثقة بالآخرين تدريجيا، ويستجيب فى الوقت نفسه لاستغاثة الأصدقاء والغرباء على السواء، لكنه لا يستلهم الثقة بأى أحد، وسلوكه هذا المختلف وطبعه السهل الانقياد كان مجرد قناع يخفى وراءه نوايا اكثر مكرا وحقدا ونكاية، حيث انه ماهر وخبير فى أمور السرقة بما يمكنه بحركة خاطفة وبكل نشاط وخفة أن ينسل زاحفا باتجاه مخزن الجليد، أو أن يختطف دجاجة أحد الفلاحين.. أصيبت أرجله الخلفية بجروح غائرة مرات عديدة، وتمت مخادعته والإمساك به مرتين، وضرب بقسوة وعلى نحو موجع حد الموت، ولكنه تمكن أن ينجو من كل ذلك... من المحتمل وأن يكون جدى وفى هذه اللحظة بالبوابة الخارجية للمنزل يجهد النظر محدقا بالضوء الأحمر الساطع المنبعث من نوافذ الكنيسة، أو يمشى بتثاقل بحذائه الطويل العنق المصنوع من اللباد فيما يمزح مع الخدم ويلوح بذراعيه معانقا الهواء البارد، أو رفقة زميله القديم المعروف بضحكته المكتومة فى الوقت الذى يضع يده ضاغطا بشدة على أحد الخدم أو الطباخين عارضا علبة السعوط الخاصة به على النساء قائلا: هل تتنشقن هذا؟؟ .. وتأخذ النسوة ذرة من السعوط على رؤوس أصابعهن تتنشقها فيعطسن على الفور فتعم جدى حالة من البهجة والسرور، ويصيح بالنسوة ضاحكا بفرح وسرور: إنه يفيد ذوى الأنوف المصابة بالبرد... فيما تعطى الكلاب أيضا قليلا من السعوط فتبدأ الكلبة كاشتانكا بالعطس على الفور، ثم تهز رأسها وتولى هاربة فى تبرم وغضب، أما الكلب ايل فيهز ذيله منذ البداية ويرفض استنشاق السعوط، فيما الأجواء رائعة الطقس، صافية مفعمة بهواء نقى فى ليل مظلم، والقرية برمتها بما فى ذلك أسطح بيوتها البيضاء والدخان المنتشر بالأجواء المتصاعد من مداخنها، والأشجار المتناثرة حولها ت!@#$%!@#$%و أعاليها طبقة الجليد !@#$%!@#$%حاب من ضباب، كل ذلك قد أحاط القرية كلها بإزار فضى لامع وبراق، يمكن من خلاله رؤية تساقط الثلوج وتتهادى بكل وضوح إذ تسوقها الرياح ذرات بيضاء بالأجواء... بينما النجوم وقد انتشرت بالسماء تومض فى تلألؤ بهيج.
تنهد فانكا بتلهف واشتياق ثم غمس قلمه بالحبر وواصل الكتابة:

... وفى يوم أمس تم جلدى وضربى بالسوط فقد أمسكنى المعلم من شعرى وجرجرنى خارجا الى الساحة، واعتدى على بالضرب بمعلاق الركاب، لأننى أقلقت راحة طفلهم الصغير أثناء نومى دون قصد، وفى يوم آخر الأسبوع الماضى طلبت منى سيدة البيت أن أخرج أحشاء سمك السردين قصد تنظيفه وبدأت ذلك من مؤخرة السمكة، إلا انها لم يعجبها ذلك بل أخذت السمكة وفركت وجهى برؤوس السمك، كما أن المتدربين الآخرين يجعلون منى أضحوكة ويهزأون بي، يطلبون منى الذهاب الى الحانة لأحضر لهم شراب الفودكا، ويقومون بخداعى فيجعلوننى أسرق خيار المعلم، ويعتدى على المعلم بالضرب بأى شيء يجده أمامه، وليس هناك أى شيء آكله، حيث يعطوننى رغيفا فى الصباح، وشيئا من الثريد فى العشاء، وبالليل لا شيء سوى الخبز مرة ثانية، إنهم لا يعطوننى قليلا من الشاى أبدا أو حساء من الكرنب، بل يلتهمون كل ذلك وحدهم فقط، كما يجعلوننى أنام بالممر الذى يفضى الى الحجرات حيث لا أستطيع النوم على الإطلاق وخاصة عندما يبدأ طفلهم الصغير بالنحيب والبكاء لأنه يتوجب على حينذاك أن أهدهده واهزهز سريره... جدى العزيز، بالله عليك أخرجنى من هنا، خذنى الى البيت والى القرية، فلم أعد أحتمل المزيد من ذلك، آه جدى إننى أستجديك وأتوسل إليك، سأصلى من أجلك دوما، فقط أخرجنى من هنا وإلا فسوف أموت...
ارتعشت شفتا فانكا فيما فرك عينيه بقبضة يده المسودة، وصدرت من أعماقه تنهيدة كالنشيج، ثم واصل الكتابة:

... سأطحن من أجلك السعوط الذى تتناوله، وسأصلى من أجلك، ولك أن تجلدنى بالسوط بكل ما تشاء من قسوة إن وجدتنى غير مطيع لأمرك، وإن تعتقد بأنه ليس هناك أى شيء يمكن لى أن أعمله هناك، سأطلب من المشرف على الخدم بالع!@#$%!@#$%ة أن تأخذه الشفقة بى ويوكل لى مهمة تنظيف الأحذية، أو يمكن له أن يعتبرنى كطفل مساعد لراعى القطيع بدلا من فيديا... جدى العزيز، إننى لا أطيق هذا المكان، إنه يقتلني، لقد فكرت فيما لو أهرب من هنا مشيا على الأقدام حتى أصل القرية، ولكن ليست لدى أحذية مناسبة وأخاف أن أتجمد من الصقيع، وعندما أكبر وأصبح رجلا سأعتنى بك وأقوم على رعايتك، ولن أدع أحدا يمسسك بسوء، وعندما ستموت سأصلى على روحك مثلما أفعل من اجل أمي... آه يا جدي، موسكو مدينة كبيرة بها العديد من السادة النبلاء والبيوت، وعدد وفير من الخيول، ولا وجود لخروف واحد بها، أما الكلاب فلا تضر أحدا وليست مفترسة على الاطلاق، كما أن الأطفال لا يخرجون عشية عيد الميلاد يطوفون الشوارع، ولا يدعونك تغنى داخل الكنيسة، لاحظتهم ذات مرة وهم جمع من الأطفال يبيعون الشص داخل الحانوت، فيما يمسك أحدهم بيده، واحدة من سمك السلور تزن بود روسى واحد أو أكثر، وشاهدت عدة متاجر تعرض العديد من أنواع الأسلحة للبيع مثل قطعة السلاح التى يمتلكها السيد بالع!@#$%!@#$%ة يمكن أن يبلغ ثمن الواحدة منها المئة روبل، وتعرض بمحلات الجزارين للبيع طيور الطبهرج، والدجاج، والأرانب البرية، إلا أن الجزارين لا يقولون لك أين تم اصطيادها... جدى العزيز، عندما تكون شجرة عيد الميلاد جاهزة بالبيت الكبير، خذ واحدة من حبات البندق المزخرفة من أجلي، واحفظها لى بعيدا داخل درج الخزانة الخضراء، واعلم السيدة أولجا بأن حبة البندق تلك هى لى وحدي..
أطلق فانكا تنهيدة حادة، وتطلع مرة ثانية الى لوح زجاج النافذة القاتم اللون، وشط به الخيال فتذكر جده ذاهبا لإحضار شجرة عيد الميلاد لإحدى الأسر الأرستقراطية صاحبا معه حفيده.. آه يالها من أوقات سعيدة تلك الأيام... يطلق جدى ضحكة خافتة مكتومة فيما قطعة الخشب المتجمدة بالصقيع تطقطق، أما فانكا فيمضى مثله ضاحكا هو أيضا بينه وبين نفسه، وقبل أن يقطع جدى الشجرة الأولى بفأسه، يتوقف قليلا، يخرج الغليون ويدخن، يجذب نفسا طويلا من السعوط ويضحك من فانكا المرتعش بردا، فيما الشجيرات الصغيرة ت!@#$%!@#$%وها طبقة من الجليد تقف صامدة دون حراك، تنتظر أيا منها ستكون الضحية، وعلى حين بغتة يظهر بالأنحاء أرنب برى يقفز بخفة فوق الثلوج المتساقطة منطلقا فى رشاقة وخفة كالسهم، فلا يملك جدى إلا أن يصيح: امسك به.. امسك به، ياله من شيطان قصير الذنب، ثم ينطلق جدى عائدا الى البيت يجر وراءه الشجرة، ويبدأون على الفور فى تشذيبها وزخرفتها، السيدة أولجا التى هى من أفضل أصدقاء فانكا تعد أكثرهم انشغالا بالعمل، وعندما كانت والدة فانكا على قيد الحياة تؤدى خدماتها بالمنزل الكبير، كانت السيدة اولجا تكافئ فانكا بإعطائه قليلا من الحلوي، وتسلى نفسها بتعليمه كيفية القراءة والكتابة، وتعلمه الحساب، وكيف يعد من واحد الى مئة، وتعلمه أيضا كيف يرقص رقصة الكدريل، إلا أنه وبعد وفاة والدة فانكا، تم إرسال الطفل اليتيم فانكا الى جوار جده بالمطبخ الجانبى أسفل البيت، ومن هناك الى موسكو وتحديدا الى السيد الباكين الإسكافي.

ويواصل فانكا كتابة رسالته: .. تعال الى يا جدى العزيز، اننى أناشدك بحق يسوع خذنى بعيدا من هنا، أسألك أن تشفق بى أنا البائس اليتيم، إنهم هنا يوجعوننى ضربا طوال الوقت، ودوما جائع وبائس فى هذا المكان، لا أدرى كيف أقول لك، إننى أبكى طوال الوقت، لقد ضربنى المعلم فى أحد الأيام بقالب الأحذية على رأسى حتى وقعت أرضا وظننت أننى لن أنهض بعدها ثانية.. إننى أعيش هنا حياة بائسة أسوأ من حياة الكلاب... أبعث تحياتى وحبى الى اليونا، والى الحوذي... ولا تعطى آلة الكنسيرتينه الخاصة بى الى أى أحد.. حفيدك، ايفان زوكوف... تعال الى يا جدى العزيز.
لف فانكا الرسالة ووضعها داخل مظروف كان قد ابتاعه من قبل بمبلغ كوبيك واحد، ثم توقف برهة يفكر، وغمس قلمه بوعاء الحبر وكتب "جدي".. حرك رأسه، فكر، وغمس قلمه بوعاء الحبر وكتب "جدي".. حرك رأسه، فكر ثانية ثم أضاف "كونستانتين ماكاريش القرية".
مسرورا لأن أحدا لم يعرقله أو يحول دونه ودون الكتابة، وضع قبعته فوق رأسه، وخرج مسرعا الى الشارع دون أن يرتدى معطفه فوق قميصه، تساءل فى اليوم السابق لكتابة رسالته من بعض الرجال المتجمعين حول حانوت الجزار عن كيفية إرسال رسالته، فأوضحوا له بأن الرسائل توضع بصندوق الرسائل، ومن هناك ترسل الى جميع بقاع العالم عن طريق عربات تجرها ثلاثة خيول ذات أجراس مجلجلة، يقودها ثلاثة سائقين مخمورين.. وعليه اتجه فانكا مسرعا الى أقرب صندوق رسائل وأسقط رسالته العزيزة داخل الصندوق.
وبعد مرور ساعة من الوقت استلقى فانكا بفراشه مفعما بالتفاؤل تعم أنفاسه آمال مشرقة وردية، وغشيه النوم سريعا... وداهمه الحلم، فشاهد فى حلمه موقد التدفئة حيث يلوح له جده جالسا على حافة القاعدة الخشبية للموقد بينما تتدلى قدماه العاريتان، يقرأ الرسالة على مسامع الطباخين.. فيما الكلب ايل يمشى الى الأمام والى الوراء أمام المدفأة وذيله يهتز.


--------------------------------------

قصة "فانكا" كتبها الكاتب الروسى الكبير انطون تشيكوف سنة 1886، وصدرت بكتاب "نصوص مختارة من أعمال تشيكوف".
تسميات وردت بالنص:
ــ الشص: حديدة معقوفة لصيد السمك.
ــ السلور: سمك يشبه الانقليس.
ــ بود: وزن روسى يعادل كيلو جراماً واحداً.
ــ الطبهرج: طائر من فصيلة الدجاج.
ــ الكدريل: رقصة روسية.
ــ الكنسيرتينه: آلة تشبه الأكورديون.
ــ الكوبيك: جزء من مئة من الروبل.


--------------------------

Yacoub
08-24-2005, 08:50 AM
شكرا على التعريف بـ انطون تشيكوف:love: